"ماذا بعد السيادة؟".. إيران تقرأ مشهد العراق بعد رحيل القوات الأجنبية

"ماذا بعد السيادة؟".. إيران تقرأ مشهد العراق بعد رحيل القوات الأجنبية العاصمة العراقية بغداد (شفق نيوز)
2026-10-05T10:37:31+00:00

شفق نيوز- ترجمة

قدمت صحيفة "طهران تايمز"، قراءة إيرانية لمشهد ما بعد 30 أيلول/سبتمبر عراقياً، ميّزت فيها بين "السيادة الرسمية" و"السيادة الفعلية"، معتبرة أن "السؤال الصعب" بالنسبة إلى كثير من العراقيين هو: هل ستتمكن بغداد حقاً من اتخاذ قراراتها بنفسها؟

وتابعت الصحيفة الإيرانية الناطقة بالانكليزية، في تقرير لها، بترجمة وكالة شفق نيوز، التساؤل عمّا إذا كان العراق "أفلت من قيود الوجود العسكري الأجنبي ليقع في شكل آخر من أشكال السيطرة، أقل وضوحاً وربما يدوم لفترة أطول؟"، مضيفة أنه "لم يعد بالإمكان تأجيل هذه القضية، خصوصاً بعدما استكملت القوات الأميركية، ضمن تحالف يضم نحو 82 دولة، انسحابها من آخر قواعدها".

وبحسب الصحيفة الإيرانية، فإن هذا الانسحاب "يشكل انتصاراً لمن خاضوا معارك الكرامة والشرف والمقاومة"، مشيرة إلى أن العراق وتركيا توصلا في الوقت نفسه إلى تفاهم لنقل السيطرة على "قاعدة بعشيقة" تدريجياً، بينما يُتوقع اتخاذ مجموعة من الخطوات لتعزيز سيادة الدولة العراقية خلال مفاوضات داخلية وخارجية.

وبعدما قال التقرير الإيراني إن "هذا الحدث طوى صفحة صعبة بدأت بأشكال مختلفة في العام 2003"، تابع أنه "لا يجيب على السؤال الأصعب، وهو: هل سيملك العراقيون حقاً القدرة على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم؟".

وأوضح التقرير أن السيادة لا تُقاس بمجرد غياب الجنود الأجانب، لأن ذلك لا يمثل سوى "سيادة جزئية"، إذ إن "السيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على اتخاذ القرارات وتنفيذها وتحمّل تبعاتها".

واعتبر أنه يجب أن يكون هناك "تمييز بين السيادة الرسمية والسيادة الفعلية، فالسيادة الرسمية تعني أن الدولة مستقلة قانونياً وخالية من أي نفوذ خارجي، بينما تعني السيادة الفعلية أن الدولة نفسها تمتلك القدرة على ممارسة هذا الاستقلال عملياً، فتتخذ قراراتها وتنفذها في جميع أنحاء البلد".

وتابع قائلاً إن "ما تحقق على المستوى الأول ليس أمراً سهلاً، إذ ليس من المعقول المطالبة بسيادة الدولة مع تجاهل رحيل قوة عسكرية أجنبية كانت موضع خلاف سياسي وقانوني عميق طوال أكثر من عقدين، إلا أن الخطوة الأولى، برغم أهميتها، ليست سوى البداية، بينما ما سيأتي بعدها هو أكثر صعوبة".

ولاحظ التقرير وجود "تناقض عراقي" برز في ردود الفعل إزاء الانسحاب نفسه، إذ تعتبره بعض الجماعات انتصاراً سياسياً وأمنياً لها، بينما تحذر جماعات أخرى من ثغرات أمنية محتملة وعودة خلايا "داعش".

وأضاف أن ذلك يظهر أن "الدول الحديثة لا تعلن سيادتها فقط، بل يجب عليها بناء القوة والقدرة اللازمتين لحماية تلك السيادة وممارستها"، وهو ما يتطلب وجود دولة قائمة على المؤسسات بدلاً من مراكز القوة المتنافسة التي تتشارك السيطرة والنفوذ والموارد.

وأوضح أن "ما يحتاجه العراق هو وجود إرادة وطنية مستقلة تستند إلى مصالح البلد وأمنه وقوانينه واحتياجات شعبه"، مضيفاً أن العراق، "من خلال مؤسساته الشرعية، يتحتم عليه أن يحدد طبيعة علاقاته مع واشنطن وأنقرة والرياض وطهران والقاهرة وعمّان، ومع كل عاصمة أخرى"، مشيراً إلى أن بإمكان الدولة التي تتمتع بالسيادة أن تقيم تحالفات، وتستفيد من تجارب الدول الأخرى، وتتوصل إلى اتفاقيات أمنية واقتصادية، وتطور شراكات استراتيجية واسعة، إلا أن الفارق الجوهري هو أنها تقوم بذلك وفقاً لقراراتها الخاصة ولتعزيز قدراتها، لا بسبب نقص في تلك القدرات.

ونوّه التقرير إلى أن العلاقات مع العراق يجب أن تقوم على أسس المعاملة المتساوية والمصالح المشتركة، وليس على أساس ما يمكن أخذه منه بينما هو منشغل بمعالجة جراحه الخاصة.

وأوضح التقرير أن السيادة تعكس خليطاً من أنواع عديدة من السلطة لا يمكن الفصل بينها، لأن الدولة التي تفتقر إلى اقتصاد قوي، ونظام مالي موثوق، وتكنولوجيا وبنية تحتية مستقلة نسبياً، ومؤسسات تتمتع بالكفاءة، وعلاقات دولية تمنحها مجالاً للحركة، ستظل عرضة للضغوط والسيطرة، خصوصاً عندما تأتي هذه الضغوط من واشنطن التي تحتفظ بجزء من عوائد مبيعات نفط العراق، وتخضع تحويلات الدولارات إلى الخارج لقواعد امتثال وتدقيق تفرضها البنوك المراسلة، ما جعل القطاع المصرفي العراقي عاجزاً عن الاعتماد كلياً على ثقة العالم به.

واعتبر التقرير أن العراق لا يمكنه القول صدقاً إن اقتصاده حر، فهو مضطر إلى دفع رواتب ملايين الموظفين من مصدر دخل رئيسي واحد، أي النفط، ويبيع هذا المورد بعملة واحدة. ولفت إلى أن اضطرار العراق إلى استيراد الغاز والمنتجات النفطية والكهرباء، وسيطرة تركيا على جزء كبير من تدفقاته المائية، يجعلان صيف العراق مرهوناً بقرارات تُتخذ في أنقرة.

كما لفت إلى أن العراق يفتقر أيضاً إلى السيادة الرقمية، إذ يعيش العراقيون حياتهم اليومية باستخدام منصات وخدمات وخوادم حاسوبية لا يملكون السيطرة عليها، كما تواجه السيادة في مجال التعليم والثقافة أسئلة صعبة، منها: هل تخرّج الجامعات طلاباً يبنون الوطن، أم أناساً يبحثون عن وسائل للرحيل؟ وتناول التقرير أيضاً ما أسماه السيادة العسكرية برّاً وبحراً وجواً، مشيراً إلى أنها تتطلب جيشاً وقوات حشد شعبي بقيادة موحدة وعقيدة عسكرية موحدة، وتتطلب أيضاً نظام دفاع جوي قادراً على حماية المجال الجوي، الذي لا يزال مكشوفاً. ولفت إلى حاجة العراق أيضاً إلى صناعة عسكرية خاصة به، حتى لو كانت متواضعة، للحد من اعتماده الكامل على مصدر واحد للأسلحة وقطع الغيار والتدريب.

وتابع قائلاً إن كل عوائد النفط التي لم تُستغل طوال العقود الماضية في بناء مدرسة أو مصنع أو جامعة أو محطة توليد كهرباء أو بنك أو شركة وطنية، تمثل جزءاً من القوة الوطنية التي فقدها العراق.

وأشار التقرير إلى أن الدول التي خرجت من الحروب كانت من بين أفقر دول العالم، لكنها استثمرت في التعليم والصناعة، وأصبحت لاحقاً قادرة على التفاوض مع الدول القوية لأنها كانت تمتلك ما تقدمه، مضيفاً أن مثل هذه الدول نجحت لأنها أدركت أن السيادة تُقام من خلال العمل الدؤوب، وليس بالشعارات الرنانة.

وختم التقرير قائلاً إن العراق يمتلك موارد كافية، وموقعاً جغرافياً متميزاً، وكفاءات بشرية عالية، إلا أن ما ينقصه أمر لا يُشترى بسهولة، وهو الإرادة السياسية الموحدة التي تعلي مصلحة الدولة على مصلحة الحزب، والمصلحة العامة على المصلحة الشخصية.

واعتبر أن إدراك صعوبة المهمة لا يبرر تأجيلها، مضيفاً أن الفترة التي تلي انسحاب القوات التي تقودها الولايات المتحدة من العراق قد تزيد من تكلفة الإصلاح بشكل كبير في حال لم يُصلح القطاع المصرفي، أو يُنوَّع الاقتصاد، أو يُعد بناء المؤسسات الأمنية والتعليمية.

وخلص إلى القول إن انسحاب القوات الأجنبية يشكل حدثاً مهماً في تاريخ العراق الحديث، وهو خطوة مشروعة نحو استعادة بعض السيادة المفقودة نتيجة التدخل الأميركي المباشر في الشؤون العراقية، إلى جانب تبعات تورط النظام الإسرائيلي بأشكال مختلفة عسكرية وفكرية وسياسية واجتماعية وثقافية وجغرافية، مستهدفاً بذلك التجربة الديمقراطية في العراق ومجتمعه.

وقال التقرير إن "السؤال السابق كان: متى ستغادر القوات الأجنبية؟ أما السؤال حالياً فهو: ماذا بعد السيادة؟". وأضاف: "لقد حان الوقت لمن يملكون السلطة أن يحكموا ويتخذوا القرارات، فمنذ الآن لن يكون هناك من يُلام على إخفاقات إدارة الدولة".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon