إرث سليماني يفتح جبهة العراق.. حرب طويلة تنتظر ترمب
صورة لسليماني والمهندس في بغداد- شفق نيوز
شفق نيوز- ترجمة خاصة
بعد أكثر من ست سنوات على اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني، يعود إرثه ليطارد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن هذه المرة عبر شبكة الفصائل المسلحة التي أسهم في بنائها داخل العراق، والتي تبدو قادرة على نقل الحرب من إيران إلى الأراضي العراقية، وفتح جبهات جديدة تجعل المواجهة أطول وأكثر تعقيداً وكلفة.
وبحسب تقرير لصحيفة "تلغراف" البريطانية، ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن الفصائل العراقية تمثل إحدى أهم أوراق القوة التي تمتلكها طهران لإغراق الولايات المتحدة وحلفائها في صراع متعدد الجبهات، وتحويل العراق إلى ساحة مواجهة بديلة، فيما تبقى إيران بعيدة نسبياً عن الضربات المباشرة.
ووفق التقرير فإن استراتيجية سليماني، القائمة على بناء جماعات مسلحة خارج حدود إيران، تبدو وكأنها تحقق أحد أهدافها، بعدما انتقلت الضربات الأميركية والسعودية إلى داخل العراق، بدلاً من أن تظل المواجهة محصورة بالأراضي الإيرانية.
وأشار إلى أنه بعد أكثر من ست سنوات على اغتيال سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس بضربة أميركية في بغداد، نُفذت بأوامر من ترمب، عادت الفصائل العراقية إلى قلب الصراع الإقليمي.
ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة والسعودية حمّلتا فصائل ضمن الحشد الشعبي مسؤولية هجمات استهدفت مصالحهما، قبل أن تنفذا ضربات مشتركة على مواقع تابعة للحشد داخل العراق، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات.
ورأى التقريرالبريطاني، أن تلك التطورات أعادت إحياء نموذج الصراع الذي عمل سليماني على ترسيخه؛ جماعات مسلحة قادرة على استهداف خصوم إيران من خارج حدودها، ودفعهم إلى الرد في ساحات أخرى.
وطبقاً للتقرير، فإن نقل الضربات إلى العراق قد يمنح طهران مكسباً استراتيجياً، عبر توسيع رقعة الحرب وإشراك أطراف وجبهات جديدة، بما يرفع كلفة المواجهة ويصعّب على واشنطن التحكم بمسارها.
وأوضح التقرير أن الجماعات المسلحة التي برزت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 تحولت تدريجياً إلى قوة عسكرية وسياسية واقتصادية واسعة النفوذ، مشيراً إلى أن بعض الفصائل تمتلك ترسانات تضم صواريخ بعيدة المدى وأسلحة مضادة للطائرات، إلى جانب شبكات نفوذ داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية.
وبين أن نفوذها لم يعد محصوراً في الجانب العسكري، إذ تمتلك أحزاباً سياسية ومقاعد في مجلس النواب ومواقع داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن مصالح تجارية وشبكات اقتصادية واسعة، وهذا التداخل بين السلاح والسياسة والاقتصاد جعل الفصائل أكثر رسوخاً، وحوّلها من جماعات مسلحة إلى قوى يصعب التعامل معها بوصفها كيانات منفصلة عن الدولة.
ونقلت الصحيفة عن محلل إيراني قوله إن الفصائل العراقية تمثل "أصولاً مهمة"، لكنها أضافت أن السيطرة الكاملة عليها تبقى مهمة معقدة.
وقال المحلل إن هذه الجماعات كانت مفيدة لإيران في إبعاد خطر تنظيم داعش عن حدودها، وإنها تُستخدم حالياً للضغط على الولايات المتحدة وتوسيع نطاق الحرب، لكنه حذر من أن طهران قد تطلب من الفصائل أكثر مما تستطيع تقديمه، قائلاً إن النظام الإيراني "يتوقع منها أكثر مما يمكنها القيام به".
ونبه إلى أن هذه الجماعات ليست أهدافاً سهلة، بسبب اعتمادها على شبكات اجتماعية ومحلية، ما يمنحها قدرة على إعادة التنظيم والاستمرار حتى في حال تعرضها لضربات عسكرية.
ونقل التقرير عن محلل آخر مقيم في طهران قوله إن الفصائل قد لا تمتلك القدرة على تغيير موازين القوى العسكرية، لكنها قادرة على توسيع الحرب ونقلها إلى داخل العراق، مضيفاً أن "مهمتها الأساسية هي نقل الحرب من إيران إلى العراق، وأن فتح جبهة عراقية سيؤدي إلى إشراك أطراف جديدة وزيادة تعقيد الصراع.
ورأى أن الولايات المتحدة تستطيع إلحاق أضرار كبيرة بالفصائل خلال فترة قصيرة، إلا أن أي حملة عسكرية واسعة قد تجعل العراق جزءاً رسمياً من الحرب، وهو ما قد ينسجم مع مصالح طهران، وقال إن اتساع عدد الجبهات واللاعبين سيجعل الحرب أكثر كلفة وصعوبة، وقد يضع إدارة ترمب أمام مواجهة طويلة لا يمكن التحكم بنتائجها.
وبحسب مسؤول إيراني تحدثت إليه الصحيفة، فإن طهران ستدافع عن الفصائل العراقية بالطريقة نفسها التي دعمت بها حزب الله اللبناني.
ونقل التقرير عن المسؤول قوله إن هذه الجماعات تمثل "العمود الفقري لقوى المقاومة في المنطقة"، وإن تعددها وقربها من إيران يشكلان مصدر قوة لها.
وأضاف أن بعض عناصر الفصائل كانوا موجودين في إيران خلال الحرب، للمساعدة في دعم القوات الأمنية والسيطرة على الشوارع ومنع الاحتجاجات المناهضة للحكومة.
وأشار إلى أن بعض هؤلاء بدأوا العودة إلى العراق بعد التطورات الأخيرة، فيما قال المسؤول إن المساعدة “بدأت بالفعل في طريقها إلى العراق”، لدعم الفصائل وتمكينها من الدفاع عن نفسها.
وبعد استعراض تاريخ نشوء الفصائل وتطورها وتشكيل هيئة الحشد الشعبي، أشار التقرير إلى أن الجماعات المقربة من إيران، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، تمثل إحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني داخل العراق.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة صنفت عدداً من هذه الجماعات منظمات “إرهابية”، فيما رفضت بعض الفصائل الاندماج الكامل ضمن القوات المسلحة العراقية، وتمسكت بانتمائها إلى ما يعرف بـ”محور المقاومة” وارتباطها بمبدأ “ولاية الفقيه”.
وطبقاً للتقرير البريطاني، فإن اندماج الفصائل في البنية السياسية والأمنية العراقية يجعل إضعافها أو تفكيكها مهمة شديدة التعقيد، رغم الضغوط الأميركية المتواصلة على بغداد للحد من نفوذها وضبط سلاحها.
وذكر أن خبراء عسكريين يرون أن رئيس الوزراء العراقي لا يستطيع حل هيئة الحشد الشعبي بقرار منفرد، كما أن إنهاء وجودها لا يمكن أن يتحقق بفتوى دينية، في ظل الثقل السياسي الذي تمتلكه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها داخل مجلس النواب، مشيراً إلى أن القوى المرتبطة بالحشد لا تبدو مستعدة للتصويت ضد استمرار وجودها أو التخلي عن نفوذها السياسي والعسكري.
وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يريدون أن يؤدي الضغط على الفصائل إلى انهيار الدولة العراقية أو تحويل البلاد إلى ساحة فوضى شبيهة بسوريا.
لكن هذا الحذر، وفق الصحيفة، يمنح الفصائل مساحة أوسع للمناورة، ويجعل التعامل معها أكثر تعقيداً، خصوصاً مع ارتباطها بمؤسسات الدولة وامتلاكها نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً.
وخلص تقرير "تلغراف" إلى أن قوات الحشد الشعبي تقف اليوم في الموقع الذي تريده إيران؛ جزءاً لا ينفصل عن الدولة العراقية، ومن الصعب التخلص منها بصورة "نظيفة"، وفي الوقت نفسه قادرة على فتح جبهة جديدة وتحويل العراق إلى ساحة حرب في أي لحظة.