الحرب تقطع شرياناً تجارياً بين إيران والإمارات وتضع مليارات الدولارات أمام اختبار هرمز

الحرب تقطع شرياناً تجارياً بين إيران والإمارات وتضع مليارات الدولارات أمام اختبار هرمز
2026-08-22T12:44:28+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

دفعت الحرب والتوتر المتصاعد في الخليج العلاقات الاقتصادية بين إيران والإمارات إلى واحدة من أصعب مراحلها، بعدما أعلنت أبوظبي وقف جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر، في خطوة قد تضرب أحد أهم الشرايين التي اعتمد عليها الاقتصاد الإيراني طوال سنوات العقوبات.

وجاء القرار الإماراتي بعد إعلان وزارة الدفاع الإماراتية، مساء الثلاثاء 18 آب/أغسطس 2026، رصد صاروخين باليستيين أُطلقا من إيران، قالت إن أحدهما سقط خارج المياه الإقليمية والآخر داخل المياه الإماراتية، وإن التقديرات تشير إلى أن الصاروخين استهدفا سفناً تعبر مضيق هرمز، وبعد ساعات، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية وقف التجارة والمعاملات المالية مع إيران.

ورفضت طهران الرواية الإماراتية، حيث وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الاتهام بأنه "ادعاء لا أساس له"، معتبراً أن "هذا السلوك الإماراتي يخالف مبدأ حسن الجوار ويعرقل الجهود الجارية لبناء الثقة بين دول المنطقة ومنع تفاقم انعدام الأمن فيها".

شريك يصعب استبداله

يأتي القرار الإماراتي ليضع علامة استفهام كبيرة على مستقبل علاقة اقتصادية تحوّلت، خلال سنوات العقوبات، إلى واحدة من أهم بوابات إيران نحو الأسواق العالمية والنظام المالي الدولي.

فوفق بيانات الجمارك الإيرانية، تصدّرت الإمارات خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الإيرانية 1404، الممتدة بين آذار/مارس وكانون الأول/ديسمبر 2025، قائمة المصدّرين إلى إيران بقيمة 13.533 مليار دولار، أي أكثر من ثلث واردات البلاد، متجاوزةً الصين التي جاءت ثانية بـ12.108 مليار دولار وحصة بلغت 27.4 في المئة.

وتستحوذ الإمارات على أكثر من 30 في المئة من إجمالي التجارة الإيرانية، فيما تتجه نحو 13 في المئة من الصادرات الإيرانية إليها.

لكن أهمية الإمارات لم تقتصر على تجارة السلع، إذ تحولت إلى المركز المالي والنقدي الأبرز للتجارة الخارجية الإيرانية، وتشير تقديرات إلى أن نحو 80 في المئة من العملة الصعبة اللازمة للواردات الإيرانية كانت تُؤمَّن عبر سوق الدرهم.

وفي كثير من الصفقات، كان اليوان الصيني يُحوَّل أولاً إلى الدرهم في الإمارات، ثم إلى الدولار أو عملات أخرى.

كما شكّلت شركات إيرانية أو مرتبطة بإيرانيين، مسجّلة في دبي والمناطق الحرة، شبكة واسعة من الوسطاء ومكاتب الصرافة وخدمات الشحن والتمويل التجاري، لعبت دوراً محورياً في الالتفاف على العقوبات عبر إعادة التصدير.

وكان جزء كبير من البضائع المتجهة إلى إيران يُفرغ أولاً في ميناء جبل علي قبل نقله إلى الموانئ الإيرانية.

ويقول فرشيد فرزانغان، الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية-الإماراتية، في تقرير لـ"صحيفة شرق"، الإيراني وترجمته وكالة شفق نيوز، إن اضطراب العلاقات بين البلدين "مكلف جداً"، لأن استبدال الإمارات ليس سهلاً ويحمّل الاقتصاد الإيراني أعباء إضافية.

ويضرب مثالاً ملموساً، إذ كانت كلفة نقل حاوية واحدة من الإمارات إلى إيران تبلغ نحو أربعة آلاف دولار قبل الحرب، وارتفعت إلى نحو ثمانية آلاف دولار بعدها وفي ظل الاضطراب في مضيق هرمز.

ويضيف أن طهران لجأت إلى ميناء مرسين التركي بديلاً عن جبل علي، غير أن كلفة نقل الحاوية عبره تبلغ نحو عشرة آلاف دولار، ما يعني أن الطريق الإماراتي يبقى أقل كلفة رغم مخاطر الحرب.

ويرى فرزانغان أن الكلفة ليست أحادية الاتجاه، إذ تتكبد الإمارات بدورها خسائر جراء تراجع قطاع السياحة وحجم الاستثمارات الإيرانية لديها، مؤكداً أن "مصالح البلدين متشابكة إلى حد يصعب معه على أي طرف إنكارها"، وداعياً إلى مراجعة العلاقة والتهيئة لتسوية.

في المقابل، يحذر من الوجه الآخر للمعادلة المتمثل في تركّز الشركاء التجاريين. فبحسب التقارير الجمركية، تراجع عدد الدول التي تستوعب نحو 80 في المئة من الصادرات الإيرانية من 21 دولة عام 1383 الإيراني، الموافق 2004، إلى سبع دول فقط عام 1402، الموافق 2023.

إشارات متناقضة

جاء القرار الإماراتي بعد أشهر من الأنباء المتضاربة عن مسار العلاقة.

فخلال الحرب، استدعت أبوظبي سفيرها وأغلقت مستشفى ومدارس إيرانية على أراضيها، وألغت على نطاق واسع تصاريح إقامة إيرانيين.

فيما قالت طهران إن ضرباتها استهدفت قواعد عسكرية أميركية على الأراضي الإماراتية، متهمةً أبوظبي بمخالفة مبادئ حسن الجوار.

لكن مع توقيع التفاهم الأميركي-الإيراني لستين يوماً، ظهرت مؤشرات تهدئة.

ونقلت "رويترز"، وفق التقرير الإيراني، عن مصادر أن الإمارات وافقت على إتاحة مليارات الدولارات لإيران، وتحدث مصدران عن عشرة مليارات دولار، فيما تحدث مصدران آخران عن عشرين ملياراً.

كما رصدت مواقع تتبع الطيران هبوط طائرات إماراتية في مطار مهرآباد، ما أثار تكهنات بشأن نقل أموال نقدية، غير أن أبوظبي نفت الإفراج عن أي أصول إيرانية مجمدة أو تسهيل تحويلات مالية إلى طهران.

وفي 16 حزيران/يونيو، أعلنت وكالة "فارس" استئناف دخول السفن الخشبية الإيرانية إلى ثلاثة مرافئ في دبي هي رصيف ديرة وميناء الحمرية وسوق الواجهة البحرية، بعد تعميم رسمي حدد شروطاً ووثائق جديدة.

وفي 27 حزيران/يونيو، نقلت وكالة "إرنا" عن محمد صادق قنادزاده، معاون الخدمات التجارية في منظمة تنمية التجارة الإيرانية، إعادة تفعيل المبادلات عبر ميناء جبل علي، مشيراً إلى تكدس حاويات إيرانية هناك خلال الحرب وبدء تخليصها مع عودة الهدوء النسبي.

وبالتوازي، تكررت الأنباء عن احتجاز ناقلات إماراتية أو استهدافها في مضيق هرمز، فيما لجأت دول خليجية إلى تكتيكات لتجاوز القيود المفروضة على الملاحة، لا تقتصر على استخدام أنابيب نقل النفط البرية.

وذكرت "بلومبرغ"، بحسب التقرير، أن شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" استخدمت ناقلات لنقل الغاز الطبيعي المسال مع إطفاء أنظمة التتبع "اي آي اس" أثناء عبور مضيق هرمز تفادياً للرصد، بما يسمح باستمرار الصادرات من جزيرة داس، وهو أسلوب قال التقرير إن السعودية استخدمته سابقاً.

ومع تعليق هذا الشريان التجاري والمالي، تجد طهران نفسها أمام معادلة مكلفة، بدائل أبعد وأعلى كلفة، وشريك يصعب استبداله، في وقت لا تبدو فيه ملامح مخرج سياسي واضحة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon