"التوأم الرقمي".. ثورة تقنية لإنقاذ مياه العراق
نقطة التقاء دجلة والفرات ليشكلان شط العرب- AFP
شفق نيوز- ترجمة خاصة
لا يمتلك العراق هامشاً واسعاً للاعتماد على التقديرات التقليدية في إدارة موارده المائية، في ظل تفاقم الجفاف وتراجع الإيرادات المائية وتصاعد الضغوط المناخية، إلى جانب القيود المرتبطة بالمياه الواردة من دول المنبع.
ويرى تقرير لمنصة "فنك للمياه" ترجمته وكالة شفق نيوز، أن بناء منظومة رقمية متكاملة، تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية والنماذج التنبؤية وتقنيات "التوأم الرقمي"، قد يمنح العراق أدوات أكثر دقة لإدارة حوضي دجلة والفرات، والانتقال من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى التخطيط المسبق والاستجابة المبنية على البيانات.
وتواجه منظومة المياه في العراق ضغوطاً متراكمة نتيجة الجفاف وانخفاض التدفقات المائية وتزايد الطلب على المياه في القطاعات الزراعية والحضرية والبيئية.
وكانت وزارة الموارد المائية العراقية قد حذرت خلال عام 2025 من تراجع كبير في الإيرادات المائية لحوضي دجلة والفرات، بالتزامن مع انخفاض مستويات الخزين في السدود إلى معدلات متدنية.
وبحسب التقرير، فإن التقلبات المتسارعة في تدفقات المياه تجعل أساليب التخطيط التقليدية أقل قدرة على مواكبة المتغيرات، خصوصاً عندما تتطلب إدارة السدود والقنوات والمشاريع الزراعية اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة.
ويمكن للتقنيات الرقمية أن تعالج جزءاً من هذه المشكلة عبر جمع البيانات المتفرقة وتحويلها إلى معلومات قابلة للاستخدام في التخطيط واتخاذ القرار.
وأشار التقرير إلى أن نظاماً لمراقبة حوضي دجلة والفرات طُوّر في العراق، سبق أن جمع بين أدوات نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والنماذج التنبؤية وأنظمة الإنذار المبكر، بهدف دعم التنبؤ بالفيضانات وموجات الجفاف.
وأوضح أن إدارة الأحواض المائية تحتاج إلى رؤية موحدة للمنظومة، بدلاً من الاعتماد على بيانات متفرقة تصدر عن مؤسسات مختلفة وفي فترات زمنية متباينة.
التوأم الرقمي
يُعرّف "التوأم الرقمي" بأنه نموذج رقمي حي يحاكي نظاماً مادياً على أرض الواقع، ويجري تحديثه بالاعتماد على القياسات المباشرة وبيانات الأقمار الصناعية ونماذج المحاكاة.
وفي قطاع المياه، يمكن لهذه التقنية أن تُظهر كيفية استجابة الأنهار والخزانات والسدود والقنوات لظروف مختلفة، ما يسمح باختبار السيناريوهات المحتملة قبل تطبيق القرارات ميدانياً.
وبالنسبة للعراق، يمكن استخدام "التوأم الرقمي" لمحاكاة سيناريوهات إطلاق المياه من الخزانات، وتغير الطلب الزراعي، وخطط التعامل مع الجفاف، بما يساعد المسؤولين على تقدير نتائج القرارات قبل تنفيذها.
ولا تقتصر أهمية هذه التقنية على التنبؤ، بل يمكن أن تدعم القرارات التشغيلية من خلال تحسين مستوى الرؤية داخل المنظومة المائية، وإظهار التوازنات بين الاحتياجات المختلفة بصورة أكثر وضوحاً.
ويرى التقرير أن استخدام هذه الأدوات في حوض معقد مثل دجلة والفرات قد يسهم في تقليل التأخير في اتخاذ القرار، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وتعزيز القدرة على الاستجابة للتغيرات المفاجئة في الإيرادات المائية أو مستويات الطلب.
أقمار ومحطات
أثبتت تقنيات المراقبة عبر الأقمار الصناعية فاعليتها في العراق، إذ استخدمت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو" بيانات منصة WaPOR لتقدير معدلات التبخر والنتح، وإنتاج الكتلة الحيوية، ومستويات سحب المياه الجوفية.
وساعدت هذه البيانات الجهات المعنية في تقييم كفاءة مشاريع الري، وتحديد الفجوات المرتبطة باستدامة استخدام المياه.
وبحسب التقرير، يمكن للبيانات المستخرجة من الأقمار الصناعية أن تدعم تخطيط الري وإعداد الحسابات المائية على المستويين الوطني والمحلي، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضعفاً أو محدودية في شبكات الرصد الميداني.
لكن التقرير يرى أن النموذج الأكثر فاعلية للعراق يتمثل في الجمع بين الاستشعار عن بُعد والقياسات الميدانية.
فبينما تستطيع الأقمار الصناعية تحديد المناطق التي تُستهلك فيها المياه، يمكن لمحطات الرصد الأرضية تأكيد معدلات التدفق ومستويات الخزين وحالة التربة.
ومن شأن دمج المصدرين أن يوفر صورة أكثر دقة عن حجم الطلب الفعلي على المياه، ومستويات الهدر، ومناطق الضغط داخل حوضي دجلة والفرات.
الذكاء الاصطناعي
يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تضيف مستوى جديداً إلى إدارة المياه في العراق، من خلال تطوير نماذج قادرة على التنبؤ بالأمطار وتدفقات الأنهار، والمساعدة في توقع الفيضانات ومراقبة نوعية المياه.
وأشار التقرير إلى أن دراسات حديثة بشأن الأنهار العراقية أظهرت قدرة تقنيات التعلم الآلي على تحسين توقعات الأمطار والتدفقات المائية، وهو ما قد يساعد الجهات المسؤولة على تحديد توقيت إطلاق المياه أو خزنها، وترتيب أولويات الاستخدام.
وتكمن الفائدة العملية، بحسب التقرير، في أن معرفة التغيرات المحتملة خلال الأسبوع أو الشهر المقبل تمنح مديري الموارد المائية فرصة للتخطيط المسبق، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الأزمة.
وفي بلد يواجه الجفاف وتذبذب الأمطار والقيود المرتبطة بالإيرادات المائية من دول المنبع، يمكن لهذا النوع من التنبؤ أن يعزز قدرة العراق على التكيف ويرفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
من الأزمات إلى التخطيط
وأكد التقرير أن العراق لا يحتاج إلى منصة رقمية متقدمة لمجرد مواكبة التطور التقني، بل إلى نظام عملي يساعد وزارة الموارد المائية والمؤسسات المرتبطة بها على توحيد البيانات، وتحسين توجيه مياه الري، وإدارة الخزانات بدرجة أعلى من الدقة والثقة.
وأشار إلى أن الأسس التقنية موجودة بالفعل، من خلال أنظمة المراقبة وبيانات الأقمار الصناعية ونماذج الذكاء الاصطناعي، لكن التحدي الرئيس يتمثل في ربط هذه الأدوات ضمن منصة تشغيلية واحدة لإدارة حوضي دجلة والفرات.
وخلص التقرير إلى أن دمج هذه التقنيات قد يسمح للعراق بالانتقال من إدارة مائية تعتمد على رد الفعل إلى إدارة استراتيجية تستند إلى البيانات والتنبؤ.
ورغم أن التحول الرقمي لن ينهي الضغوط المناخية أو الخلافات الجيوسياسية المرتبطة بالمياه، فإنه قد يمنح صناع القرار أدوات أفضل للتعامل معها، ويزيد قدرة البلاد على إدارة مواردها المحدودة في ظل أزمة مائية تتسع عاماً بعد آخر.