"شو شمه‌كي".. الصوت المفقود في إيلام

"شو شمه‌كي".. الصوت المفقود في إيلام
2026-09-19T18:51:59+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

في أمسيات الجمعة بإيلام الفيلية القديمة، كان لجملة بسيطة تسمع من خلف باب الجار أن تغيّر مسار صفقة تجارية، أو زواج، أو قرار مصيري آخر، كانت هذه العادة تعرف بـ"شو شمه‌كي" (لیلة السبت/مساء الجمعة)، إذ كان الناس يرسلون شخصا ينوب عن صاحب النية ليصغي إلى أول حديث يسمعه، متأولا إياه كبشرى خير أو نذير شؤم، وهو رسم شفهي بدأت طقوسه اليوم تتوارى في صمت القرى شيئا فشيئا نحو النسيان.

ووفقا لتقرير نشرته وكالة فارس الايرانية وترجمته وكالة شق نيوز، ففي إيلام الفيلية القديمة، حين كانت الدور تبنى من الطين وكان معظم العوائل يقطنون "الخيام السوداء"، كانت القرارات المصيرية تتخذ بين أحضان التقاليد والمعتقدات الموروثة جيلا بعد جيل.  

وكانت "شو شمه‌كي" إحدى هذه العادات، طقسا يتطلع فيه المرء للوقوف على مآل نيته عبر ترقب أول جملة تنبس بها أفواه الآخرين في أمسية الجمعة.  

لقد كان الأمر بسيطا في ظاهره، إلا أنه يحمل أهمية بالغة لصاحب النية، فإذا يعزم الشخص على أمر ما - سواء كان بيعا، أو شراء، أو زواجا، أو قرارا حاسما في حياته - يبعث مساء الجمعة من ينوب عنه إلى جوار أحد البيوت، فيذهب المندوب دون شرح نية صاحبه، ويتجه نحو بيت -غالبا ما يكون في الجوار- لينتظر في الخفاء صامتا حتى يلتقط أول كلام يقال داخل البيت.

وكانت تلك الجملة القصيرة تعامل كرسالة وموجّه: فإن كان الكلام أو اللفظ أو الجملة الأولى مشجعة وذات طابع إيجابي، عدّها صاحب النية بمثابة الضوء الأخضر للمضي قدما في أمره، أما إذا حمل الحديث طابعا سلبيا، قطع الأمل وصرف النظر عن مقصده.

بيوت بلا أبواب

وتقتضي قراءة "شو شمه‌كي" فهم البيئة الاجتماعية والمعمارية لإيلام القديمة، في زمن لم تكن فيه المنازل القروية بالشكل الذي نعرفه اليوم، فقد كانت الدور الطينية مبنية داخل باحات تفتقر في كثير من الأحيان إلى مداخل محددة أو أبواب حديثة، بينما كانت "الخيام السوداء" تشكل جزءا أساسيا من النمط المعيشي للرحل وسكان القرى.

وفي مثل هذه البيئة، كان التزاور والحركة بين الجيران أمرا طبيعيا جدا، وكانت أصوات الأحاديث تتردد بسهولة في الأرجاء، وهذا التقارب الاجتماعي والمكاني هو ما هيّأ الأرضية لولادة رسم أو عرف تكتسب فيه "الكلمة الأولى" كل هذه الأهمية.

ولم يكن المبعوث لتقصي "شو شمه‌كي" يبحث عن إجابة مباشرة لنيته، بل كان ينشد إشارة يستهدي بها في اتخاذ قراره، ومن هنا، حظيت دلالة الجملة المسموعة بأهمية كبرى، حيث يسقطها صاحب النية على مقصده.

جملة واحدة

ومن خلال الروايات الشفهية لهذه العادة يظهر أن "شو شمه‌كي" لم تكن مجرد تسلية بسيطة أو ضربا من استكشاف الطالع العابر، بل كان الناس يتعاطون معها بجدية بالغة في بعض المناطق، حتى انه يحكى أنها كانت تسهم قديما في توجيه اكثر القرارات جدية في حياة الانسان كمعاملات البيع والشراء وحتى عقد القران.

ولا ينبغي قياس هذه العادة بمعايير اتخاذ القرار المعاصرة، إذ تكمن أهمية "شو شمه‌كي" الجوهرية في كشفها عن كيفية استعانة الإنسان في المجتمعات التقليدية بالعلامات، والمعتقدات، والطقوس الجماعية لمواجهة غموض المستقبل.

وفي المجتمعات التقليدية كمجتمع ايلام القديمة، لم يقتصر اتخاذ القرار على المفهوم الفردي الحديث القائم على المعلومات المكتوبة والتوثيق الرسمي، بل كان لخبرة الكبار، وحديث الجار، وإشارات الطبيعة، والأحلام، والتفاؤل، والطقوس المحلية دور فاعل في اتخاذ القرارات اليومية.

ذاكرة "تبهت"

حتى عقود قليلة مضت، كان لا يزال من الممكن العثور على أثر لـ"شو شمه‌كي" في بعض قرى إيلام، إلا أن تحول أنماط الحياة، والتوسع العمراني، وتغير المعمار السكني، وتراجع العلاقات التقليدية بين الجيران، وتغرب الأجيال الجديدة عن الكثير من المعتقدات الشفهية السابقة، أدى كله إلى تراجع  وانخفاض ممارسة هذه العادة تدريجيا من تفاصيل الحياة اليومية، شأنها شأن العديد من الطقوس والأعراف والتقاليد القديمة.

وعليه، قد تبدو "شو شمه‌كي" اليوم غريبة لأبناء الجيل الجديد، فكيف لجملة عابرة أن تكون دليلا على الخير أو الشر، وأن تؤثر في قرار مصيري؟ لكن هذه البساطة بالذات هي سر سحرها وجاذبيتها، إنها تقدّم صورة مصغرة لمجتمع كان فيه الجار قريبا، وكانت الحياة الجماعية حاضرة بقوة، وكان الناس يلجؤون إلى إشارات من قلب الحياة اليومية في محاولة لفك رموز المستقبل.

إن قيمة هذه التقاليد لا تكمن في مدى صدق تنبؤاتها أو خطئها، بل في كونها تحتفظ بجزء من الذاكرة الثقافية للشعب، لذلك باتت "شو شمه‌كي" الان، حكاية من إيلام القديمة، أكثر من كونها أسلوبا لاتخاذ القرار، حكاية إن لم تسجل وترو اليوم، قد لا يبقى منها غدا سوى اسم يشوبه الغموض.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon